بينما يدعي ترامب أنه صانع سلام وأوقف حروبا سابقة ، لكن كل المراقبين في العالم يصفونه بأنه بدون رؤية استراتيجية ويشككون في “مداركه العقلية ” بعد خوضه حروبا لا تخضع للشرعية الدولية تلبية لرغبة إسرائيل .. كل الحروب التي حصلت في الأشهر الأخيرة كشفت عن خطورة منهجية وتفكير وتعامل سيد البيت الأبيض مع العالم ، وبالتالي أصبح وجوده يهدد بانهيار النظام الإقليمي في المشرق، مما قد يدفع إلى تغيير النظام العالمي من خلال تحالفات دولية جديدة وإعادة تشكيل موازين القوى في الشرق الأوسط.
يعتبر دونالد ترامب، الرئيس الأمريكي الجمهوري، نموذجا فريدا في السياسة حيث يعتمد على عقلية “رجل الصفقات” التي نقلها من عالم العقارات إلى البيت الأبيض ، فهو لا يفكر بعقلية الرئيس المسؤول بل بعقلية رجل الأعمال الذي يعقد الصفقات .. يتسم أسلوبه بالبراجماتية ، سياسة الضغط الأقصى ، التهديد لانتزاع التنازلات ورفع سقف التهديدات لتحقيق مكاسب اقتصادية وسياسية …
في عالم تتداخل فيه السياسة بالاقتصاد ، يبرز اسم دونالد ترامب كحالة استثنائية لرئيس لم يأت من دهاليز الدبلوماسية والسياسة ، وبناء على هذه الخلفية تعامل ترامب مع السياسة باعتبارها امتداداً طبيعيا لعالم الأعمال والصفقات .
ترامب لا ينطلق من ايديولوجيا تقليدية معروفة ، بقدر ما يتحرك وفق براغماتية حادة ، حيث يعتمد على سياسة الضغط الأقصى ، يرفع فيها سقف التهديدات إلى أقصاه ثم يفتح باب التفاوض من موقع قوة .. هذه العقلية ، التي تمزج بين رجل الأعمال والسياسي ، تجعل من كل أزمة ساحة تفاوض .. رئيس يرى العالم كطاولة صفقات مفتوحة ، حيث لا شيء ثابت ، وكل شيء قابل لإعادة التفاوض …
وفي هذا السياق تعد شخصيته مثيرة للجدل وحتى للسخرية بعد تناقضاته المتكررة في التصريحات وتضاربه في القرارات ، شخصية مهزوزة ومعقدة تجمع بين الشعبوية والانعزالية ، مما أثّر بشكل كبير على السياسة الخارجية والداخلية للولايات المتحدة الأمريكية وحتى على السلم والاستقرار العالمي .
فبعد كل الحروب التي خاضتها الولايات المتحدة الأمريكية تاريخيا في عهد الرؤساء السابقون ، آخرها الحرب على العراق ، أصبح معظم الأمريكيون يدركون أن تلك الحروب كانت اختيارية وليست ضرورية ، حيث تستهدف بشكل مباشر حماية الأمن القومي الأمريكي وأيضا الأمن الاسرائيلي .. والغريب أن ترامب ما زال يصرح أنه أنهى 8 حروب في 8 شهور ، في وقت أنه فتح حروب إقليمية طاحنة بتحالف اسرائيلي على ايران، وأيضاً أعطى الضوء الأخضر لشن حرب اسرائيلية مدمرة على لبنان .. وبعد كل الدمار الشامل الذي حصل اقليميا وتضررت منه دول الخليج ، التي لم تؤيد هذه الحرب وعملت جاهدة دبلوماسيا على تجنبها ، قرر ترامب فتح باب المفاوضات بالقوة وليس من أجل سلام عادل، في خضم مفاوضات عبثية ليس لها نهاية ..لذلك يستحق بالمطلق جائزة “نوبل للحروب”، في حال تم استحداثها …
كان وما زال ترامب يحلم بجائزة نوبل للسلام ولا يخفي هوسه بالفوز بها، رغم عدم نيلها في الدورة السابقة ، اعتقادا منه بأن لا أحدا في هذا العالم قادر أن يقدم لهذه الدنيا وشعوبها في سبيل السلام العالمي ما قدمه هو، حيث كان يرى أنه الأحق بها وأنه الأوفر حظا لنيلها، وأن الجائزة ذاتها تتشرف به قبل أن يتشرف هو بها، بل إنه بنيله إياها سوف يضيف إلى هذه الجائزة الشيء الكثير، بينما لن تضيف هي (الجائزة) له شيئا أو إلا قليلا.. وذلك لتعطشه لنيل مكانة عالمية بعد كل ما أنجزه من مآسي في شعوب العالم …
فقد كشفت مجلة “ذا أتلانتيك”، مؤخرا، عن تحول جذري في العقلية السياسية للرئيس دونالد ترامب، حيث بدأ يصور نفسه كشخصية تاريخية عابرة للأزمان واضعا نفسه في مصاف القادة العظماء، حيث نقلت مصادر مقربة من الرئيس قوله إنه بدأ يقارن مساره السياسي بمسارات نابليون بونابرت، ويوليوس قيصر، والإسكندر الأكبر، وهي المقارنة التي بدأت تظهر آثارها في قراراته المتعلقة بالسياسة الخارجية والإصرار على الانخراط في نزاعات وساحات دبلوماسية دولية تتحدى المنطق السياسي التقليدي.. وقد كشف صحفيون مطلعون على كواليس الإدارة أن ترامب بدأ يتحدث في جلسات خاصة عن نفسه باعتباره “أقوى شخص على الإطلاق”.
رغم ذلك، كل التقارير والتحليلات المتوفرة حتى أبريل 2026 تشير إلى أن سياسة الرئيس الأمريكي الخارجية تميل نحو الغموض الاستراتيجي واتخاذ قرارات مفاجئة والتضارب في التصريحات، حيث ترتبط بمزاج شخصي متقلب أكثر من حسابات سياسية مدروسة، مما جعل المنطقة على حافة حروب إقليمية طاحنة، وصل الأمر إلى تصاعد الدعوات من طرف نواب ديمقراطيون من الكونجرس لتفعيل التعديل ال25 من الدستور الأمريكي لعزله، وانهيار شعبيته في الداخل لأدنى مستوى .
إن ما يجري ليس مجرد صراع جيوسياسي بل هو إعادة تشكيل الوعي العالمي، من عالم تحكمه المواثيق والقوانين الدولية إلى عالم تحكمه القوة والفوضى وسقوط كل المعايير الأخلاقية والسياسية من خلال التفاخر باستخدام القوة .. ومن نظام عالمي يسعى إلى العدالة والأمن السلمي إلى واقع يبرر الهيمنة والحروب .
في قلب هذه التحولات في المشهد الجيوسياسي المعقد، يقف خطاب سياسي جديد ، متناقض ، يجمع بين التهديد والبراغماتية أصبح خطيرا على السلم العالمي والاستقرار الدولي .. وفي خضم هذه الأحداث السؤال المحير : إلى أين يتجه العالم ؟؟؟





