
في إطار الاهتمام المشترك بدراسة التحولات الإقليمية الكبرى، التي تعيد رسم معالم المشهد العالمي، نظّم مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية، بالتعاون مع أكاديمية أنور قرقاش الدبلوماسية، النسخة الثانية من «منتدى هيلي» السنوي في أبوظبي، وذلك يومي 8 و9 سبتمبر 2025 تحت شعار: «إعادة ضبط النظام الدولي.. التجارة والتكنولوجيا والحوكمة»، في منتجع سانت ريجيس بجزيرة السعديات، بهدف إثراء النقاشات الاستراتيجية في دولة الإمارات العربية المتحدة وتقديم إضافات علمية وبحثية، والإسهام في تحديد ملامح البيئة العالمية في ظل التحولات السريعة والعميقة، التي تعيد تشكيل المشهد العالمي خلال المرحلة الحالية.
وجمع المنتدى نخبة من القادة والخبراء والدبلوماسيين من مختلف أنحاء العالم، ليؤكد الدور المحوري لدولة الإمارات في صياغة مقاربات عملية لمواجهة التحديات العالمية المتسارعة.
وقد شارك في أعمال المنتدى نخبة من كبار المسؤولين وصنّاع القرار والدبلوماسيين والخبراء والمفكرين من داخل الدولة وخارجها، حيث قدموا رؤى ثرية بشأن القضايا العالمية الراهنة، ومساراتها المستقبلية، من خلال ثلاثة محاور أساسية شملها المنتدى: المحور الجيوسياسي، والمحور الجيواقتصادي والمحور الجيوتكنولوجي، وهي محاور اعتمدها المنتدى في نسخته الأولى، بوصفها إطاراً يساعد على تقديم رؤية شاملة لواقع النظام الدولي وتحولاته وتأثيراته الاستراتيجية على مستقبل الدول وعلاقاتها.
حيث يهتمُّ المحور الجيوسياسي، بالتعامل مع التحولات العالمية العميقة، في ظل احتدام التنافس بين القوى الكبرى، وتصاعد نفوذ القوى المتوسطة، وما تنطوي عليه «إعادة الهيكلة العالمية» من حالات عدم يقين، وإتاحتها في الوقت نفسه فرصاً لشراكات جديدة وإمكانات واعدة آخذة في التشكل في عالم متعدد الأقطاب.
أما المحور الجيواقتصادي، فهو يستكشف التغيرات الجوهرية التي يشهدها الاقتصاد العالمي في ظل ما تفرضه التجزئة والحمائية من تحديات في ظل عصر العولمة، والفرص المتاحة أمام من يمتلكون القدرة على الابتكار والتموضع الاستراتيجي، بما يُمكِّنهم من التعامل مع المشهد الاقتصادي المتطور.

وتضمنت أجندة اليوم الثاني والأخير من المنتدى، جلسة رئيسية إلى جانب عدة جلسات متزامنة تناولت المحور الثالث من المحاور الأساسية وهو “محور الجيوتكنولوجية” حيث ناقش المشاركون تأثيرات التقنيات التحويلية مثل الذكاء الاصطناعي، والحوسبة الكمية، والروبوتات، على موازين القوة العالمية والأمن الوطني والتنافسية الاقتصادية، فضلاً عن انعكاساتها على العلاقات الدولية.. وأكدت النقاشات أن التطور التكنولوجي، رغم ما يحمله من فرص، يفرض التزامات مشتركة لضمان توظيفه في خدمة التنمية والاستقرار العالمي.
وخلال أعمال المنتدى، أكدت لانا نسيبة، وزيرة دولة في حكومة دولة الإمارات، أهمية تبني الدول نهجا مرنا يمكّنها من صون سيادتها في ظل نظام دولي يشهد تحولات متسارعة
وأكدت أن الدبلوماسية تبقى الركيزة الأساسية لإحلال السلام الإقليمي، حيث قالت: “السلام لا يتحقق بالعدوان، ولا يدوم نظام يقوم على المواجهة أو الإقصاء”.
كما أوضحت أن مستقبل فلسطين سيبقى حجر الزاوية لأي سلام مستدام في الشرق الأوسط، مجددة رفض دولة الإمارات القاطع لأي محاولات لضم الأراضي الفلسطينية، ومؤكدة أن هذا الأمر يمثل “خطاً أحمر” بالنسبة للإمارات.
وحذرت لانا نسيبة كذلك من التحديات التي تفرضها الجهات الفاعلة غير الحكومية والداعمين الخارجيين لها، معتبرة أن ذلك يفاقم حالة عدم الاستقرار في المنطقة. وفي المقابل، شددت على رؤية الإمارات الداعية إلى “ميثاق إقليمي يحقق لشعوب المنطقة مكاسب حقيقية تفوق بكثير العوائد المحدودة للصراعات بالوكالة”.
فيما أشار الدكتور سلطان النعيمي، مدير عام مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية إلى أهمية المنتدى قائلاً: “يعكس الزخم الكبير، الذي شهده منتدى هيلي بنسخته الثانية، قيمتَي التواصل والحوار، اللتين يسعى المنتدى إلى ترسيخهما، كما يُبرز المكانة التي تحظى بها دولة الإمارات بدبلوماسيتها الفعَّالة، التي تجلت في حضور نخبة من الوزراء وصناع القرار والمفكرين لمناقشة أبرز القضايا الملحَّة التي تواجهها منطقتنا والعالم.
وسيواصل المنتدى، بالتعاون مع أكاديمية أنور قرقاش الدبلوماسية، ترسيخ موقعه بصفته منصة دولية رائدة للحوار والتواصل في أرض يشهد لها التاريخ بهذا التواصل منذ آلاف السنين”، بحسب النعيمي.
وبدوره، صرّح نيكولاي ملادينوف، المدير العام لأكاديمية أنور قرقاش الدبلوماسية، قائلاً: “أكدت مناقشات منتدى هيلي 2025 أن التكنولوجيا لم تعد شأناً تقنياً بحتاً، بل تحولت إلى عنصر رئيسي يسهم في إعادة تشكيل موازين القوة والعلاقات الدولية”.
وأضاف أن هذه الحوارات حول الذكاء الاصطناعي والابتكار أبرزت الحاجة الملحّة إلى تعاون عالمي يضمن الاستخدام المسؤول لهذه التقنيات، بما يخدم جهود السلام والتنمية ويعكس الدور المتنامي لدولة الإمارات كقوة دبلوماسية تسهم في صياغة المستقبل الدولي.”
وقد أجمع دبلوماسيون من قارات مختلفة على أن العالم يعيش حاليا مرحلة إعادة تشكل كبرى، وأن النظام الدولي يواجه أزمات متشابكة تستوجب مقاربات جديدة تتجاوز حدود التحالفات القديمة والانقسامات التقليدية، حيث أكدوا أن استعادة الثقة وتحقيق العدالة وتعزيز التعددية وصناعة المبادرات الواقعية، هي ركائز لا غنى عنها لرسم ملامح مستقبل أكثر استقرارا وإنصافا.
وخلال مشاركته في أعمال المنتدى، أكد الدكتور نارايانابا جاناردان، مدير إدارة البحوث والتحليل في أكاديمية أنور قرقاش الدبلوماسية على ضرورة تطوير أطر قانونية للحفاظ على القيم الإنسانية في ظل التقدم التكنولوجي الذي يشهده العالم اليوم.

وقال إن “التقنيات التكنولوجية الحديثة مثل الذكاء الاصطناعي والخوارزميات تطرح تحديات غير مسبوقة على القوانين الدولية الإنسانية. فمع إعادة تعريف مفهوم الحرب والسلام في العصر الرقمي، يصبح من الضروري تطوير أطر قانونية وأخلاقية جديدة تضمن الاستخدام المسؤول للتكنولوجيا وتحافظ على القيم الإنسانية الأساسية”.
وفي هذا السياق، قالت كاثرين أشتون، الممثلة العليا السابقة للاتحاد الأوروبي للشؤون الخارجية والسياسة الأمنية ونائبة رئيس المفوضية الأوروبية سابقا، إن القارة العجوز تواجه اختبارا وجوديا.
وأضافت أن أوروبا مطالبة بالانتقال من موقع رد الفعل إلى صناعة المبادرة، سواء في ملف الطاقة الذي يمثل شريان الحياة للقارة، أو في ملف الهجرة الذي يختبر قيمها الإنسانية.
وأشارت إلى أن الحفاظ على وحدة أوروبا الداخلية يعد شرطا أساسيا لتعزيز تأثيرها الخارجي، مؤكدة أن استعادة ثقة الشركاء العالميين لن تتحقق إلا بخطاب واقعي منفتح يوازن بين المصالح والقيم.
ومستذكرا تجربة بلاده في المصالحة والتحرر، أكد ويليلي نهلابو، سفير جنوب أفريقيا السابق لدى الولايات المتحدة، أن العدالة يجب أن تكون محور أي نظام عالمي جديد، لافتا إلى أن الجنوب العالمي ليس مجرد رقم في المعادلة الدولية، بل قوة فاعلة قادرة على إعادة موازنة العلاقات بين الشمال والجنوب.
وأوضح أن تجربة جنوب أفريقيا مع العدالة الانتقالية يمكن أن تشكل نموذجا لإدارة الأزمات، داعيا إلى تعزيز التعاون كآلية عملية لمواجهة التحديات المشتركة، من الأمن الغذائي إلى التنمية الاقتصادية.
ومن آسيا، أوضح نافتيج سارنا، سفير الهند السابق في الولايات المتحدة، أن التعددية القطبية لم تعد خيارا بل واقعا قائما، مشددا على أن الهند، بما تمتلكه من ثقل ديموغرافي واقتصادي وتكنولوجي، أصبحت لاعبا لا غنى عنه في أي معادلة دولية.
وقال إن على الغرب أن يتعامل مع هذه الحقيقة بعقلية شراكة وليس وصاية، مضيفا أن آسيا بما تضم من الصين والهند ودول جنوب شرقها باتت تمثل قوة دفع رئيسية للاقتصاد العالمي، الأمر الذي يستوجب إعادة النظر في أنماط التحالفات والسياسات الدولية التقليدية.
ومن أمريكا اللاتينية، أكدت مارثا بارسينا كوكي، سفيرة المكسيك السابقة لدى الولايات المتحدة، أن العلاقة بين واشنطن وجوارها الجنوبي تمر بمرحلة إعادة صياغة جذرية.
وقالت إن شعوب أمريكا اللاتينية لم تعد تقبل بدور المتلقي للسياسات القادمة من الشمال، مشيرة إلى أن قضايا الهجرة والتنمية والعدالة الاجتماعية لم يعد ممكنا التعامل معها من منظور أمني ضيق، بل عبر رؤية إنسانية وتنموية شاملة.
واعتبرت أن تصاعد أصوات الجنوب العالمي في المحافل الدولية يعكس حقيقة أنه أصبح لاعبا سياسيا واقتصاديا مؤثرا لا يمكن تجاهله في صياغة الأجندة الدولية.
واختتم المنتدى أجندته بالتأكيد على أن التقدم التكنولوجي، بما يحمله من فرص وتحديات، يتطلب تعاوناً دولياً وشراكات عابرة للحدود لضمان توظيفه بما يخدم الاستقرار والازدهار العالمي.. وقد جدد “منتدى هيلي” التزامه بمواصلة توفير منصة استراتيجية للحوار وتبادل الرؤى، تسهم في صياغة مقاربات عملية لمواجهة التحولات المتسارعة وبناء مستقبل أكثر توازناً وشمولية للمجتمع الدولي.
ويهدف المنتدى إلى إثراء النقاشات الاستراتيجية في دولة الإمارات، وتقديم إضافات علمية وبحثية، والإسهام في تحديد ملامح البيئة العالمية في ظل التحولات السريعة والعميقة التي تعيد تشكيل المشهد العالمي خلال المرحلة الحالية.







