تفتح صحيفة غارديان ملفا بالغ الأهمية حول مستقبل هيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي)، من خلال تسليط الضوء على عملية تجديد الميثاق الملكي الذي يقوم عليه وجود المؤسسة، والذي ينتهي مفعوله يوم 31 ديسمبر/كانون الأول 2027.
وترى الصحيفة أن هذه العملية التي تتكرر كل عقد تقريبا، قد تكون الأكثر أهمية في تاريخ الهيئة، لأنها تجري في وقت تواجه فيه المؤسسة ضغوطا متزامنة تتعلق بالتمويل، وتراجع الجمهور، والتحول الرقمي، وصعود شركات التكنولوجيا ومنصات البث العالمية.
وانطلقت غارديان من مفارقة أساسية، وهي أن بي بي سي التي تعد إحدى أكثر المؤسسات رسوخا في الحياة البريطانية، ليست مؤسسة دائمة من الناحية القانونية، إذ اشترطت الحكومة، منذ تأسيسها في عشرينيات القرن الماضي، عندما كان الراديو تكنولوجيا جديدة ومحفوفة بالمخاطر، أن يكون وجودها مرتبطا بميثاق محدد المدة.
ومع انتهاء كل ميثاق، تدخل المؤسسة في مفاوضات مع الحكومة لتحديد شروط استمرارها، وهو ما يجعل مستقبل بي بي سي مرتبطا بقرار سياسي يتكرر بصورة دورية.
وتشير الصحيفة إلى أن تجديد الميثاق ليس مجرد إجراء قانوني، بل هو الآلية التي يمكن من خلالها إعادة تعريف وظيفة المؤسسة، ونظام تمويلها، وطريقة إدارتها، وموقعها داخل المشهد الإعلامي البريطاني.
ولهذا شهدت عمليات التجديد السابقة تغييرات حاسمة، مثل بناء البنية التحتية التلفزيونية البريطانية، وإطلاق “بي بي سي أونلاين “، ثم تطوير منصة “آي بلير ” التي ساعدت المؤسسة على مواكبة التحول الرقمي.
لكن الميثاق الجديد يأتي في ظرف مختلف وأكثر تعقيدا، لأن المشكلة الأكبر -حسب غارديان- لم تعد الخلافات التقليدية حول ما إذا كانت بي بي سي يمينية أو يسارية، أو ما إذا كانت برامجها منحازة سياسيا، وإنما تتمثل في تغير التكنولوجيا والعادات الإعلامية.
فقد تراجع استهلاك محتوى بي بي سي الأسبوعي بين البالغين من 91% عام 2020 إلى 84% حاليا، في وقت انخفضت فيه إيرادات رسوم الترخيص بنحو الربع بالقيمة الحقيقية منذ 2017، علما أن نحو 65% من تمويل الهيئة يعتمد على رسوم الترخيص التي تبلغ 180 جنيها إسترلينيا (نحو 230 دولارا)، وهو نموذج أصبح موضع شك متزايد مع انتقال الجمهور إلى منصات البث والخدمات الرقمية.
ثلاثة اتجاهات
وتعرض الصحيفة ثلاثة اتجاهات رئيسية تتصارع حول مستقبل المؤسسة، الأول معسكر “الحماة ” الذي يرى بي بي سي مؤسسة عامة لا غنى عنها، ويطالب بالحفاظ على استقلالها عن الحكومة وشمول خدماتها لجميع البريطانيين.
والثاني هو معسكر “الداعين إلى التقليص ” الذي يرى أن بي بي سي توسعت بصورة مفرطة وأصبحت تنافس المؤسسات التجارية في مجالات لا تحتاج فيها إلى تمويل عام، ويريد قصر دورها على المجالات الأساسية للخدمة العامة، مثل الأخبار والشؤون الجارية وبرامج الأطفال.
أما الاتجاه الثالث الذي تسميه الصحيفة “المهندسين “، فيرى أن النقاش حول حجم بي بي سي يفوّت جوهر المشكلة، لأن التحدي الحقيقي هو الانتقال من مؤسسة بث إلى مؤسسة رقمية قادرة على امتلاك منصاتها وخوارزمياتها وأدوات توزيع محتواها، بدل الاعتماد المتزايد على شركات التكنولوجيا الأمريكية الكبرى.
وفي قلب النقاش يبقى السؤال الأصعب: كيف ستموّل بي بي سي نفسها في المستقبل؟ وذلك بعد أن استبعدت وزيرة الثقافة ليزا ناندي التمويل من الضرائب العامة أو من ضريبة منزلية شبيهة بالنظام المعمول به في ألمانيا، فيما تبدو الإعلانات خيارا غير مرجح.
كما تواجه فكرة الاشتراكات مخاوف من تحويل بي بي سي إلى مؤسسة “بطبقتين “، يحصل فيها القادرون على الدفع على خدمات أفضل من غيرهم، ولذلك يبرز احتمال إصلاح رسوم الترخيص وتوسيع نطاقها لتشمل استخدامات رقمية أخرى، مثل تصفح مواقع الهيئة أو الاستماع إلى برامجها الإذاعية والبودكاست.
لكن غارديان تنبه إلى أن إصلاح التمويل وحده قد لا يحل المشكلة، لأن جوهر الأزمة يتمثل في تراجع شمولية بي بي سي نفسها، فإذا كان عدد كبير من البريطانيين لا يستهلكون محتواها بانتظام، يصبح من الصعب إقناعهم بدفع رسوم ثابتة مقابل مؤسسة إعلامية لا يستهلكون محتواها.
معضلة جوهرية
وهنا تواجه الهيئة معضلة جوهرية، إذ لكي تبرر رسوم الترخيص، يجب أن تكون مؤسسة يستخدمها الجميع تقريبا، لكن قدرتها على جذب الجميع تتراجع بفعل المنافسة الشرسة من نتفليكس ويوتيوب ووسائل التواصل الاجتماعي وغيرها.
وتكشف الصحيفة كذلك أن عملية تجديد الميثاق تبدو ديمقراطية في ظاهرها، إذ تشمل استشارات عامة ومجموعات نقاش وتقارير واجتماعات مع خبراء ومؤسسات، لكن القرار الحقيقي يتبلور في نهاية المطاف داخل مفاوضات مغلقة بين عدد محدود من المسؤولين الحكوميين وقيادات بي بي سي.
وذلك لأن وزارة الثقافة والحكومة تملكان الكلمة الأقوى في تحديد صيغة الميثاق النهائي -حسب الصحيفة- في حين لا يملك البرلمان سوى مناقشة المقترحات دون أن تكون موافقته ضرورية لاعتماد الميثاق.
وتبرز غارديان في هذا السياق أهمية الرأي العام كسلاح أساسي تمتلكه بي بي سي، إذ أثبتت التجارب السابقة أن الحكومة قد تتراجع عن بعض خططها عندما تجد نفسها في مواجهة شعبية واسعة دفاعا عن المؤسسة، إلا أن الوضع الحالي يبدو أكثر هدوءا، وهو ما قد يمنح الحكومة مساحة أكبر لإعادة رسم دور الهيئة وحجمها وتمويلها.
وتضيف الصحيفة أن قيادة بي بي سي تحاول إعادة صياغة القضية من زاوية جديدة، تتمثل في اعتبار المؤسسة جزءًا من السيادة البريطانية وقدرتها على مواجهة هيمنة شركات التكنولوجيا العملاقة، وهي -وفق هذا الطرح- ليست مجرد منتج للمحتوى، بل مؤسسة تضمن استمرار إنتاج محتوى بريطاني يعكس القيم والمصالح الثقافية للمملكة المتحدة في مواجهة منصات تملكها شركات ومليارديرات أمريكيون.
ومن هنا تأتي الدعوة إلى أن يكون لبي بي سي دور أكبر في بناء البنية التحتية الرقمية بدل الاكتفاء بالمنافسة على المحتوى داخل منصات الآخرين.
وتخلص الصحيفة إلى أن مفارقة الهيئة تكمن في أن نظام الميثاق، رغم غموضه وسريته وعيوبه الديمقراطية، استطاع البقاء قرابة قرن لأنه لم يظهر حتى الآن بديل أفضل منه.
فرصة استثنائية
ولذلك فإن المعركة الحالية لا تتعلق فقط بتحديد قيمة رسوم الترخيص أو عدد موظفي بي بي سي أو عدد قنواتها، وإنما بالسؤال الأكبرما: ما الذي يجب أن تكون عليه بي بي سي في عصر المنصات الرقمية والذكاء الاصطناعي ووسائل التواصل الاجتماعي؟
وبالنسبة لغارديان، فإن ميثاق 2027 يمثل فرصة استثنائية لإعادة بناء هيئة الإذاعة البريطانية بما يتناسب مع العقد المقبل، لكنه قد يتحول أيضا إلى لحظة فشل إذا اكتفت الحكومة والمؤسسة بإدخال كلمات جديدة مثل “السيادة ” و”التميز ” من دون إجراء تغييرات حقيقية في التمويل والتكنولوجيا وطريقة الوصول إلى الجمهور.
وأشارت الصحيفة إلى أن المؤسسة التي نجت من أزمات سابقة لأنها استطاعت التكيف مع الراديو ثم التلفزيون ثم الإنترنت، تواجه الآن اختبارا جديدا: هل ستتمكن من التكيف مع عصر تهيمن فيه منصات التكنولوجيا العالمية على طرق وصول الجمهور إلى الأخبار والمحتوى؟
وتختصر الصحيفة المفارقة كلها في فكرة أن كل ميثاق جديد يبدو وكأنه أهم ميثاق في تاريخ بي بي سي، لكن الميثاق الحالي قد يكون مختلفا فعلا، لأن التهديد هذه المرة لا يأتي أساسا من الحكومة أو المنافسين التقليديين، بل من تغير البيئة الإعلامية نفسها.
وفي نهاية المطاف، فإن مستقبل المؤسسة سيتحدد بقدرتها على إقناع البريطانيين بأنها لا تزال مؤسسة ضرورية، حتى في عالم لم يعد فيه التلفزيون والراديو الوسيلتين الرئيسيتين لاستهلاك الإعلام.
المصدر: غارديان







