في الظاهر، تبدو المحادثات بين إسرائيل ولبنان تطورا سياسيا لافتا، بل وخطوة غير مسبوقة منذ عقود.
لكن التدقيق فيما تريده الأطراف، بحسب معلقين إسرائيليين، يكشف أن المشكلة ليست في غياب القناة التفاوضية، بل في الهوة الواسعة بين أهداف الحرب الإسرائيلية، وأولويات الدولة اللبنانية، وحدود ما يمكن فرضه على حزب الله في الميدان.
فبينما تسعى واشنطن إلى هندسة تهدئة تمنع اتساع الحرب وتخدم مسار التفاهم مع إيران، تحاول إسرائيل استثمار ما تبقى من الوقت لتحقيق إنجازات ميدانية وسياسية قبل أن يفرض الأمريكيون سقفا للقتال.. وفي المقابل، يدخل لبنان المفاوضات من زاوية مختلفة تماما: وقف الحرب أولا، لا إعادة صياغة التوازنات الإقليمية.
مفاوضات قائمة دون اختراق
تجمع قراءتا عاموس هارئيل في هآرتس (Haaretz) وآنا بارسكي في معاريف (Maariv) على أن اللقاء المباشر الذي جرى في واشنطن بين الجانبين لم ينتج اختراقا فعليا، لا في وقف إطلاق النار، ولا في الانسحاب، ولا في مستقبل حزب الله. فالإنجاز الوحيد المؤكد حتى الآن هو مجرد انعقاد الاجتماع نفسه.
بارسكي تصف ما جرى بأنه “بداية عملية” أكثر منه مسارا ناضجا، إذ لم يُحدد جدول زمني، ولم تُتخذ خطوات عملية، ولم يحدث تقارب حقيقي في القضايا الثقيلة.
أما هارئيل فيربط هذه المفاوضات بلعبة الوقت، معتبرا أن إسرائيل باتت تدرك أن “صافرة النهاية” قد تأتي من واشنطن في أي لحظة، في لبنان وربما في إيران أيضا، ولذلك تسعى إلى تجميع أكبر قدر ممكن من المكاسب قبل الوصول إلى تلك اللحظة.
أكثر من وقف النار
بحسب بارسكي، لم تذهب إسرائيل إلى واشنطن بهدف تثبيت هدنة فقط، بل دخلت وهي تريد استخدام المسار السياسي لتحسين موقعها في مواجهة حزب الله، وتقليص النفوذ الإيراني في لبنان، وتكريس واقع أمني جديد في الجنوب. ولهذا رفضت التعهد المسبق بوقف إطلاق النار كشرط للمحادثات، وواصلت بالتوازي الضغط العسكري في جنوب لبنان، مع تقليص جزئي فقط للغارات على بيروت.
هذا التوجه ينسجم مع ما يورده إيتامار إيخنر في يديعوت أحرونوت (Yedioth Ahronoth)، إذ يضع في صدارة المطالب الإسرائيلية قضية نزع سلاح حزب الله، لا مجرد تهدئة ميدانية.
كما يناقش الطرح الإسرائيلي نماذج أمنية بعيدة المدى، تشمل مناطق منزوعة السلاح جنوب الليطاني، وأحزمة أمنية متدرجة، وقيودا على السلاح بإشراف دولي.
وقف الحرب.. لا اقتتال داخلي
في المقابل، توضح بارسكي أن الدولة اللبنانية لا تدخل المفاوضات بعقلية إعادة تشكيل الإقليم، بل بعقلية وقف الحرب وتثبيت الاستقرار الداخلي. لذلك تتركز مطالبها في وقف إطلاق النار، والانسحاب الإسرائيلي، وعودة النازحين، وتعزيز الجيش اللبناني. هذه أولويات دولة تحاول منع الانهيار، لا دولة تمتلك فائض قوة يسمح لها بفرض ترتيبات جذرية على حزب الله أو الدخول في تسوية تاريخية مع إسرائيل.
ويعزز إيخنر هذا التقدير بنقل آراء خبراء إسرائيليين يرون أن الحكومة اللبنانية الحالية قد تكون أشد تشددا تجاه حزب الله مقارنة بسنوات سابقة، لكن المشكلة لا تكمن فقط في الإرادة السياسية، بل في محدودية القدرة.
فالحكومة هشة – كما يقول – والجيش اللبناني مخترق بتأثيرات الحزب، واحتمالات الاضطراب الداخلي أو الاغتيالات السياسية قائمة، ما يجعل وجود “عنوان سياسي” لا يعني بالضرورة وجود “قدرة حكم” كافية لفرض التزامات كبرى على الأرض.
شروط تعجيزية
تظهر القراءات الإسرائيلية أن المفاوضات مع لبنان تبدو، في آن واحد، ضرورية ومحدودة، واعدة ومسدودة. فهي ضرورية لأن واشنطن تريد تهدئة الجبهة اللبنانية ضمن مسار أوسع مع إيران، ولأن لبنان يريد وقف الحرب، ولأن إسرائيل تدرك أن وقت العمليات المفتوحة قد لا يطول. لكنها محدودة لأن كل طرف يأتي إليها وهو يتحدث عن مشكلة مختلفة: إسرائيل تريد تغيير ميزان القوى ونزع سلاح حزب الله، ولبنان يريد وقف القتال ومنع الانهيار، فيما يبقى الحزب نفسه خارج طاولة المفاوضات لكنه صاحب الكلمة الأثقل على الأرض.
لذلك، لا تبدو العقدة الحقيقية في الحدود، ولا في الخرائط، ولا حتى في صيغ وقف إطلاق النار، بل في الشروط التي تريد إسرائيل فرضها على واقع لبناني لا يملك، حتى الآن، أدوات تنفيذها. ومن هنا تحديدا تنبع “نقاط الخلاف التعجيزية”.







