تكشف الأزمة في قطاع غزة -بعد عام من وقف إطلاق النار– أن الهدنة لم تضع حدا للحرب الإسرائيلية بقدر ما فاقمت حالة الدمار، وأبقت أكثر من مليونيْ فلسطيني رهائن للحرمان والعنف.
وترى مجلة “فورين أفيرز” أنه بين تعطيل إعمار القطاع واستمرار الهجمات وتوسيع السيطرة الإسرائيلية، يلُوح خطر تحويل القطاع إلى مكان يستحيل العيش فيه، بما يمهد للتهجير ويقوض فرص التسوية السياسية.
وفي مقال بالمجلة، يقول خالد الجندي -الباحث المتخصص في الشؤون الأمريكية الفلسطينية ومؤلف كتاب “النقطة العمياء: أمريكا والفلسطينيون من بلفور إلى ترمب”- إن تعثر خطة السلام الأمريكية يهدد بضياع غزة نهائيا، في ظل استمرار الانتهاكات الإسرائيلية، وتسامح واشنطن مع حكومة بنيامين نتنياهو.
فبعد اتفاق وقف إطلاق النار في أكتوبر/تشرين الأول 2025، لم تنفذ معظم الالتزامات المتعلقة بالمساعدات والخدمات الأساسية، ولم تبدأ إعادة بناء المنازل والمستشفيات وشبكات المياه والكهرباء، رغم تعهد جاريد كوشنر -صهر الرئيس الأمريكي دونالد ترمبالمكلف بالملف- ببدء إصلاح البنية التحتية خلال مئة يوم.
ولا يزال معظم سكان القطاع يعيشون في خيام مكتظة تفتقر إلى المياه النظيفة والرعاية الصحية والصرف الصحي، وسط نقص الغذاء والدواء وانتشار الأمراض. كما تواصل إسرائيلهجماتها التي أودت بحياة أكثر من 1400 فلسطيني منذ إعلان الهدنة، بينما توسعت سيطرتها العسكرية لتشمل قرابة 65% من أراضي غزة.
عراقيل إسرائيلية
ويرى الكاتب أن هذه الأوضاع ليست مجرد إخفاق إنساني، بل تنذر بتفجير موجة جديدة من العنف، وتخدم هدفا إسرائيليا أوسع يتمثل في جعل القطاع غير صالح للحياة ودفع سكانه إلى الرحيل.
وينص الاتفاق على تشكيل إدارة فلسطينية تكنوقراطية، ونشر قوة دولية، ونزع سلاح حركة المقاومة الإسلامية (حماس) تدريجيا، بالتوازي مع انسحاب القوات الإسرائيلية، تمهيدا لإعادة الإعمار. لكن نتنياهو يرفض الانسحاب قبل نزع سلاح الحركة بالكامل، في حين تصر حماس على ربط الخطوتين.
ويشير الجندي إلى أن واشنطن تتبنى علنا مواقف إسرائيلية، بينما تقدم تطمينات متناقضة للأطراف الأخرى، الأمر الذي يمنح الطرف الأقوى قدرة على فرض شروطه. فبعدما وافقت حماس -تحت ضغط الوسطاء- على صيغة لنزع السلاح، رفضت الحكومة الإسرائيلية خريطة الطريق التي أُعلنت في يوليو/تموز الماضي.
ويعتبر الكاتب أن نتنياهو يستفيد من استمرار الوضع الحالي دون إثارة غضب دولي واسع، كما يستخدم مطلب نزع السلاح الكامل لتبرير استمرار السيطرة العسكرية وإرضاء شركائه اليمينيين المتطرفين.
وقد دعا مسؤولون إسرائيليون علنا إلى إخراج الفلسطينيين من القطاع، حيث طرح وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير خطة “للهجرة الطوعية”، فيما قال وزير الدفاع يسرائيل كاتسإن الحل النهائي يقتضي تسهيل مغادرة السكان. ويشير الكاتب إلى تصريحات منسوبة إلى نتنياهو تفيد بأن تدمير المنازل يجعل عودة الفلسطينيين مستحيلة.
واشنطن أمام اختبار حاسم
ويحذّر الجندي من أن استمرار الوضع الراهن قد يؤدي إلى تهجير مزيد من الفلسطينيين أو عودة الحرب الشاملة، بما يفاقم اضطراب المنطقة ويضر بمكانة الولايات المتحدة الدولية. كما أن الاحتلال الطويل لن يحقق بالضرورة مكاسب أمنية لإسرائيل، بل سيعمق عزلتها ويبدد فرص التطبيع الإقليمي.
ورغم عيوب خطة ترمب واختلالها لمصلحة إسرائيل، فإن الكاتب يرى أن إنقاذها يظل ممكنا إذا ضغطت واشنطن والوسطاء لتنفيذ الالتزامات بالتوازي، وفرضوا عواقب على المخالفين، وسمحوا بدخول الإدارة والشرطة الفلسطينية، وضمان تدفق المساعدات وإعادة الخدمات والإعمار دون شروط سياسية.
ويخلص الجندي إلى أن مستقبل غزة يتوقف على استعداد واشنطن لمواجهة حكومة نتنياهو بدلا من منحها الوقت لمواصلة التدمير. فإما أن تتحول السنوات المقبلة إلى مرحلة للتعافي وإعادة البناء، أو يستمر العنف والتهجير وعدم الاستقرار لأجيال.







