بدأ الأمر كما تبدأ الكثير من القرارات في واشنطن: بضغط، ثم بقرار، ثم بواقع لا يستطيع أحد التراجع عنه بسهولة.
فدونالد ترامب، الذي وصل إلى البيت الأبيض وهو يردد وعوداً بإنهاء الحروب لا بإشعالها، وجد نفسه أمام حرب طاحنة ضد ايران .. حرب استمرّت أشهر وأقحمت فيها دول الخليج، رغم رفضهم لها منذ بداية اندلاعها، ومحاولة احتوائها من خلال وساطات إقليمية فاعلة…
ترامب الذي تولى مقاليد الحكم وهو ينتقد “الحروب التي لا تنتهي”، وجد نفسه يقود نسخته الخاصة منها.. فقد دخل الحرب في 28 فبراير/شباط متوقعا بأنها ستكون حملة عسكرية خاطفة، لكنه بعد أكثر من نصف عام بات مترددا بين استئناف القصف واسع النطاق وبين التوصل إلى اتفاق ينهي الحرب بشروط يمكنه قبولها.
ترامب لا يعرف كيف ينهي هذه الحرب .. فقد ألمح الرئيس الأمريكي مؤخرا إلى أن الحرب مع إيران قد تنتهي قريباً، ربما بالتزامن مع أو بعد انتخابات التجديد النصفي للكونجرس الأمريكي في نوفمبر 2026، مشيراً إلى أن طهران تسعى لإبرام اتفاق، لكنه في الوقت ذاته يلوح بقرارات حاسمة وخيارات عسكرية قد تتضمن تصعيداً أو ضربات جديدة إذا لم يتم التوصل للاتفاق المناسب.
فقد اختتمت أعمال الدورة ال81 للجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك حيث كان أبرز مجريات الملف الإيراني على جدولها، لكن بدون التوصل إلى حل لأكبر أزمة تشهدها منطقة الشرق الأوسط .. لأن ترامب يختار دائما حلول الحرب ولا يريد مسار الدبلوماسية ، في ظل تصعيد أمريكي وتعنت إيراني …
فالحرب التي كان يفترض أن تنتهي خلال أسابيع تحولت إلى مواجهة مفتوحة بلا نهاية واضحة، فلا يزال النظام الإيراني قائما، ومضيق هرمز لم يستعد حركته الطبيعية، والبرنامج النووي الإيراني تضرر لكنه لم يُدفن، في حين تتآكل مخزونات السلاح الأمريكي وترتفع كلفة الحرب سياسيا واقتصاديا.
بعد 7 أشهر من الحرب على إيران التي وعد الرئيس الأميركي دونالد ترمب بأن تكون خاطفة وحاسمة، تقف الولايات المتحدة أمام مشهد يناقض تماما الصورة التي أراد ترمب ترسيخها عن “النصر”.. وكان ترمب قد أعلن مرارا أن الولايات المتحدة “فازت بالفعل”، بل أعلن في يونيو/حزيران أن الحرب انتهت، بعد التوصل إلى وقف لإطلاق النار لم يصمد طويلا.. مواقف متغيرة وتصريحات متناقضة أصبحت تثير جدلا واسعا حتى لدى الجمهوريين !!!
وحتى كبريات وسائل الإعلام الأمريكية -وتحديدا صحيفتي نيويورك تايمز وواشنطن بوست وموقع أكسيوس الإخباري- هم على خلاصة أساسية واحدة، رغم اختلاف زوايا تناولها، وهي أن ترمب يجد نفسه عاجزا عن تحقيق انتصار عسكري واضح أو إبرام اتفاق سلام مستدام .. فهو -في واقع الأمر- أمام حرب عالقة بين الاثنين، يسعى جاهدا لتحويلها من مواجهة عسكرية إلى ضغط اقتصادي طويل الأمد بحثا عن مخرج يمكن تقديمه على أنه “انتصار”.
ما الذي تحقق حتى الآن؟ إيران لم تنهار والنظام لم يسقط، ولم تقدم التنازلات التي كانت واشنطن تبحث عنها، رغم الأزمة الاقتصادية والحظر الذي فرض عليها، ومن اسقاط نظام الملالي صار الهدف فتح مضيق هرمز وما بعد هرمز .. دول الخليج أصبحت تبحث عن استراتيجية كبرى تجاه ايران ، أكثر اهتماما بالفصل بين ساحات العلاقة معها بعدما انهارت الثقة بينهم، فيما يستمر الحوار الدبلوماسي.. البحرية الأمريكية والبنتاجون تواجه صعوبات لوجستية حقيقية، القادة العسكريون يسجلون اعتراضاتهم، والضربات التي قيل إنها دقيقة أصابت في أكثر من مرة مدنيين في ملاعب ومدارس ومستشفيات وتجمعات …حتما هذه ليست علامات نصر .. ترامب الذي أراد أن يُذكر كرجل ينهي الحروب، وجد نفسه في حرب لا يملك مفتاح إنهائها وأدخل منطقة الشرق الأوسط في دوامة عجيبة غريبة…!!!







