أكد تقرير نشرته مجلة كولومبيا للصحافة أن التحولات التي تشهدها واشنطن بوست تحت إدارة مالكها جيف بيزوس تمثل نموذجا جديدا لإخضاع العمل الصحفي لمنطق الشركات التقنية، محذرا من تداعيات ذلك على جودة المحتوى واستقلاليته.
وأشار التقرير الذي أعده هاملتون نولان وسيدهارثا ماهانتا للمجلة إلى أن قرارات بيزوس الأخيرة، التي شملت تسريح أكثر من 350 صحفيا، جاءت ضمن إستراتيجية تقوم على خفض تكاليف غرفة الأخبار إلى النصف، مع محاولة مضاعفة الإنتاجية في الوقت ذاته، وهو ما وصفه بأنه تصور تبسيطي يتعامل مع الصحافة كعملية إنتاج صناعي قابلة للقياس الكمي.
وأضاف أن الإدارة الجديدة، بقيادة المدير المالي والرئيس التنفيذي المؤقت جيف دونوفرِيو، طرحت مفاهيم مستوحاة من عالم الشركات، مثل “وحدة القصة”، في إشارة إلى التعامل مع المواد الصحفية كوحدات إنتاج منفصلة، إلى جانب اعتماد مقياس جديد باسم “قيمة الجمهور”، يقيس أداء المقالات بناء على تفاعل القراء ومدة القراءة والمشاركات.

وأوضح التقرير أن هذه المقاربة أثارت انتقادات واسعة داخل غرفة الأخبار، حيث يرى صحفيون أن قيمة العمل الصحفي لا يمكن اختزالها في مؤشرات رقمية، خاصة في بيئة تعتمد على العمل الجماعي، إذ تسهم فرق متعددة في إنتاج المادة الواحدة دون أن تظهر جميع مساهماتها في النص النهائي.
كما أشارت مجلة كولومبيا للصحافة إلى أن الإدارة تسعى إلى إعادة ضبط أسلوب التغطية التحريرية، عبر تقليص ما كان يعرف في عهد المحرر السابق مارتن بارون بتعدد الزوايا في تغطية القصة الواحدة، وهو النهج الذي كان يسمح للصحفيين باستكشاف مسارات مختلفة للأخبار الكبرى. ولفت إلى أن هذا التغيير قد يقلل من الفوضى التحريرية، لكنه في المقابل قد يؤدي إلى تراجع الإنتاج وتضييق نطاق التغطية.
وأضاف أن أحد مبررات الإدارة لخفض النفقات يتمثل في ارتفاع تكلفة إنتاج القصص، إذ قد تصل تكلفة المادة الواحدة إلى آلاف الدولارات، خاصة في التغطيات الميدانية للحروب أو الحملات الانتخابية.
غير أنه شدد على أن هذه التكاليف تمثل جوهر العمل الصحفي، وهي السبب الرئيسي الذي يدفع الجمهور للاشتراك في المؤسسات الإعلامية.

وأشار التقرير إلى أن هذه السياسات ليست معزولة، بل تأتي في سياق أوسع داخل صناعة الإعلام، حيث لجأت العديد من المؤسسات خلال العقدين الماضيين إلى تقليص النفقات وتسريح الصحفيين، في محاولة لتعويض تراجع الإيرادات بسبب صعود الإنترنت والمنصات الرقمية.
وأضاف أن هذه الإجراءات غالبا ما ترافقها وعود بالاعتماد على تقنيات جديدة، مثل الذكاء الاصطناعي، لتعويض النقص في الموارد البشرية، إلا أن التجارب السابقة، سواء مع الصحافة المجانية أو تقنيات مثل البلوك تشين، لم تنجح في إنقاذ النموذج الاقتصادي للمؤسسات الإعلامية.
وأوضح التقرير أن جوهر الإشكال يكمن في طبيعة العمل الصحفي نفسه، متسائلا عما إذا كانت الصحافة علما يمكن إدارته عبر معادلات الإنتاجية والكفاءة، أم فنا يحتاج إلى بيئة إبداعية وموارد كافية. ورجح أن الصحافة أقرب إلى الفن، مما يجعل تطبيق نماذج الإدارة الصناعية عليها أمرا إشكاليا.
وفي هذا السياق، أكد تقرير مجلة كولومبيا للصحافة أن بناء مؤسسات إعلامية قوية يتطلب الاستثمار في الصحفيين وتوفير الموارد اللازمة لهم، وليس تقليص التكاليف إلى الحد الأدنى، محذرا من أن السياسات الحالية قد تؤدي إلى تآكل المصداقية وفقدان القدرة على إنتاج محتوى نوعي.
وأشار التقرير أيضا إلى الأبعاد السياسية لهذه التحولات، لافتا إلى أن تركز ملكية وسائل الإعلام وارتباطها بحسابات تجارية قد يفتح الباب أمام ضغوط سياسية تؤثر في الخط التحريري.
واعتبر أن ما يحدث في واشنطن بوست لا يقتصر على خسارة وظائف، بل يشمل أيضا رقابة غير مرئية قد تؤثر على محتوى الرأي، في ظل سعي الإدارة للحفاظ على علاقات متوازنة مع السلطة.
وأضاف أن هذه المخاوف تتعزز مع صفقات اندماج كبرى في قطاع الإعلام، مثل اندماج شركتي نكستار وتينغا، الذي سيضع مئات المحطات التلفزيونية تحت ملكية واحدة، مما يثير تساؤلات حول تنوع الأصوات واستقلالية التغطية.
وخلص التقرير إلى أن محاولات إخضاع الصحافة لمنطق الشركات التقنية قد تصطدم بخصوصية هذا المجال، مشددا على أن تقليص عدد الصحفيين لن يؤدي إلى تحسين جودة المحتوى، بل العكس.
وأكد أن الجمهور قادر على ملاحظة تراجع مستوى المؤسسات الإعلامية، حتى في ظل محاولات إخفائه عبر إستراتيجيات إدارية جديدة.
وأشار تقرير مجلة كولومبيا للصحافة في ختامه إلى أن صعود المؤسسات الإعلامية المستقلة وغير الربحية قد يخفف من حدة هذا التراجع، لكنه حذر من أن عدد الصحفيين في الولايات المتحدة مرشح للانخفاض إلى مستويات غير مسبوقة، في ظل استمرار الضغوط الاقتصادية وهيمنة المنصات الرقمية على عوائد الصناعة.







