في ظل الفوضى المستمرة التي تعيشها سوريا، يتزايد استهداف الأقليات في المناطق الساحلية وخاصة في محافظات اللاذقية وطرطوس، وأجزاء من حمص وحماة .. المجازر التي يتعرض لها العلويون في هذه المناطق ليست مجرد أحداث عابرة ولا أفعال فردية ، بل هي جزء من مخطط خطير بأوامر من الحاكم اللاشرعي أحمد الشرع المعروف بأبو محمد الجولاني ، حيث يهدف إلى إعادة رسم المشهد الديموغرافي والسياسي في سوريا الجديدة في ظل حكم سلفي متشدد ينتهج في مسار العدالة الانتقامية من قتل واعدامات وتنكيل وتهجير تحت بند «مطاردة فلول النظام» …
ما يجري في الساحل السوري هو أكثر من مجرد صراع دموي بين مليشيات مسلحة تابعة لقوات الحكومة المؤقتة وجماعات تدافع عن طائفتهم وعن أرزاقهم وعن مدنهم ، إنها حرب إبادة عرقية ممنهجة تُنفَّذ بدون إنسانية أمام مرأى العالم، وسط صمت دولي مخزٍ، حيث يتم استهداف القرى العلوية والمسيحية بهجمات وحشية ومجازر مروعة ، من خلال عمليات قتل جماعي لعائلات بأكملها وتهجير قسري، وكأن هناك محاولات لتفريغ هذه المناطق من سكانها الأصليين ، في غياب أي حماية دولية…
رغم ارتباط الطائفة العلوية بنظام الأسد، إلا أن معظمهم لم يكونوا جزءًا من دوائر الامتيازات والسلطة.. شأنهم شأن العديد من السوريين، عانوا من الفقر والتهميش والعمل العسكري الإلزامي ، خاصةً في المناطق الريفية التي بقيت تعاني من نقص الخدمات الضرورية لأبسط قواعد الحياة الكريمة والفرص الاقتصادية.. كثيرون منهم وجدوا في الوظائف الحكومية وفي القوات العسكرية كمصدر لرزقهم الوحيد وليس انتماءا للنظام الذي ارتبطوا به كطائفة علوية بدون أدنى مسؤولية.
وبعد سقوط النظام، سارع العلويون إلى إثبات رغبتهم في أن يكونوا جزءًا من سوريا الجديدة، خوفوا من أي عمليات إنتقامية، فشاركوا في عمليات التسوية وسلموا أسلحتهم للحكومة الجديدة، على أمل الحصول على الحماية وضمان مستقبلهم كمواطنين متساوين.. غير أن هذه الخطوة لم تكن كافية لتجنيبهم الاستهداف، إذ تعرضوا للغدر والتنكيل ، كان أبرزها المجزرة التي وقعت في 7 مارس 2025 في مناطق الساحل السوري، حيث تم استهدافهم بشكل منظم على أيادي مجموعات متطرفة مسلحة، من قوات أساسية ورديفة لحكومة الجولاني .
كل التقارير تشير إلى ارتكاب جرائم وحشية بحق القرى العلوية والمسيحية في ريفي اللاذقية وطرطوس، حيث شهدت بعض البلدات عمليات اقتحام من قبل مسلحين، تبعها مجازر جماعية تم تصفيتهم بدم بارد وحرق للجثث وللمنازل واختطاف للمدنيين، في حين لجأ الناجون إلى قاعدة حميميم لطلب الحماية من القوات الروسية .. إذ تؤكد الشهادات الواردة من الداخل أن هذه الهجمات ليست عشوائية، بل تحمل بصمات ميليشيات منظمة، تسعى إلى فرض واقع جديد من خلال القتل والإرهاب.
ما يثير الدهشة هو الغياب شبه الكامل لأي رد فعل دولي تجاه هذه المجازر.. فالمنظمات الحقوقية والمجتمع الدولي لم يحركا ساكنا، وكأن هناك تجاهلا متعمدا لهذه الجرائم، رغم كل الاستغاثات والمطالبة بحماية دولية بعد صدور عدة تقارير موثقة بالمجازر نشرتها بعض وسائل إعلام دولية ، ومنها قناة الCNN التي انفردت بصور عبر الأقمار الاصطناعية تم التقاطها من دول عظمى معروفة كأمريكا وبريطانيا .
لذلك، لا بد من تسليط الضوء على الجرائم عبر توثيقها ونشرها إعلاميا لمنع طمس الحقيقة، يرافق ذلك تحرك سياسي ودبلوماسي للضغط على المنظمات الدولية لاتخاذ موقف واضح من هذه الانتهاكات.. كما أنه لا بد من توفير الحماية للأقليات سواء عبر قوات اقليمية أو بمساعدة دولية.
المجازر التي تُرتكب ضد الأقليات في الساحل السوري هي جرائم ضد الإنسانية لا يمكن السكوت عنها.. فتجاهل هذه الجرائم لن يؤدي إلا إلى مزيد من العنف والتطرف، وسيترك جرحا عميقا في النسيج الاجتماعي السوري .. كما أن التواطؤ الدولي والصمت الإعلامي لن يُسقط حق الضحايا في العدالة، ولن يُخفي حقيقة ما يحدث.ما حدث في 7 مارس 2025 ليس مجرد مجزرةٍ بحق العلويين، بل هو إنذارٌ بأن تغيير النظام وحده لا يكفي لضمان الاستقرار.. إذا لم يتم العمل بجديةٍ على بناء دولةٍ قائمةٍ على العدل والمساواة، فإن البلاد ستبقى أسيرةً لدوراتٍ جديدةٍ من العنف والانتقام.. وعلى السوريين جميعًا أن يدركوا أن الخلاص لا يكمن أن يكون في إسقاط نظام شمولي وتغييره بمنظومة تحمل ايديولوجية متطرفة متشددة ، بل في بناء نظام ديمقراطي مدني يؤسس لمجتمعٍ قادرٍ على استيعاب الجميع في ظل حكومة شرعية تنتهج مسار العدالة الانتقالية وبعيدة عن الطائفية والمذهبية ، وإلا فإن دائرة الصراع لن تنتهي أبدًا وستتوسع إقليميًا .
وهنا لا بد من التذكير بأن ما يجري في سوريا الآن هو باكورة ما جرى سابقا منذ ما سمي بالربيع العربي ، وما سيجري في دول عربية عديدة قريبا في سياق تشكيل شرق أوسط جديد تقوده قوى عظمى لتكمل
مشروع تفتيت المفتت وتجزئة المجزأ …
هذا هو حال أمتنا .. والله أكبر على كل من طغى وتجبر
عيد مبارك وكل عام وأنتم بألف خير